رحلة البحث عن بديل !!!

السبت، ٢٤ مارس ٢٠١٢

السقوط الأخلاقي


تشتهر السياسة عند الكثير من الناس بأنها بلا أخلاق ، وأن عملية الانتصار والمكسب فيها تعتمد علي القدرة علي تجاوز السلوك القويم إلي غيره  من الالاعيب اللاخلاقية لتحقيق الهدف ، ويعتقد الكثير من الناس أن الكثير من السياسين فاسدين وعلي أقل تقدير كاذبين ، بينما يعلن المتدينون أنهم يدخلون السياسة لتطهيرها من الاوساخ وتحويلها إلي سياسة أخلاقية ، فهل السياسة فعلاً لا أخلاقية كلها ، أم هي تبني علي الأخلاق ؟ وهل يستطيع البعض البقاء مع السقوط الأخلاقي ؟ وهل تؤثر السياسة والأخلاق علي بعضهما ؟
بداية يجب الاعتراف بأن السياسة تقوم علي الصراع ، او المدافعة وكأي حالة إنسانية ترتبط بالإنسان من حيث الخير والشر والصلاح والفساد ، فكما لا يوجد صراع أخلاقي خالص كذلك قلما تجد صراعاً لا يحتوي في بعض جوانبه علي الأخلاق أو التعريض بيها أو ادعائها لما تمنحه من شرعية ورضا نوعي عن الذات ، حتى في أقصي الملحميات السياسية وهي الحروب ، دائماً ما يبحث مدبرها عن هدف أخلاقي أو يدعيه ، كفكرة بوش عن نشر الحرية عندما أعلن حربه علي العراق .
ترتبط فكرة الأخلاقية بالشرعية ، والشرعية هي خلع الصفة القانونية علي شئ ما ، لذلك قلما يقوم نظام سياسي ويستمر بصورة مستقرة بدون شرعية ، والشرعية في النهاية عمل أخلاقي تكون له قدرة علي التزام الناس به .
لذلك فالشرعية تعتبر عملية أخلاقية بالأساس تقوم علي مبادئ كحقوق الانسان ، واحترام حق الآخر في الحياة او في المعتقد أو في العبادة ، او نبذ كل ما يتعلق بحق الانسان ، لذلك فكل ما يتعلق بالأخلاق يؤثر في شرعية وبقاء أي نظام سياسي ويمنحه إما الاستقرار أو الاضطراب الدائم الذي يصل في بعض الأحيان إلي جعل نهايته حتمية.
المشهد المصري والسقوط الأخلاقي
بعد بدء ثورة يناير وما حدث فيها من قتل ودهس بالسيارات وتعذيب وكان مبارك وما يمثله من سلطة حاكمة في اختبار سقوط حتمي ، نتيجة تهاوي الاساس الأخلاقي للبقاء  ، ثم أنطلقت كل القوي السياسية للحديث عن محاكمات مدنية عادلة لبناء دولة علي أسس أخلاقية وبشرعية جديدة تمنح الاستقرار والنماء
ولم تلبث الأمور بضعة أشهر حتى وضعت هذه العملية تحت الاختبار ، في أحداث الداخلية وماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء .... وانطلقت التيارات الدينية ومعها بعض من التيارات السياسية في مسار مخالف بالاتجاه نحو العملية الانتخابية والإجرائية متجاهلة فكرة الأساس الاخلاقي و الشرعية السياسية  لصالح الشرعية الانتخابية والتصويتية  وتجاهل الجميع أن فكرة السقوط الأخلاقي أمام المجتمع أكبر بكثير وأشد تأثيراً في إقامة نظام سياسي  من اجراء انتخابات أو الخوض في عمليات إجرائية مهما بلغ حجم الاغراءات الممنوحة فيها بوضع سياسي أفضل أو بنزاهة انتخابية  ، فلا تبني الإجراءات لوحدها الشرعية بدون الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه العملية .
النتيجة والوضع الحقيقي علي الأرض
أتجه المسار السياسي بالإجمال إلي تدهورات كبيرة تنذر حتى الآن بعواقب وخيمة نتيجة غياب الاساس الاخلاقي للعملية السياسية برمتها ، فتم اعتقال ما لا يقل عن 12 ألف مواطن مصري وتحويلهم إلي المحاكم العسكرية ، وما زالت أعداد قضايا البراءة للضباط القتلة للمتظاهرين في ازدياد ، وكذلك تهريب الامريكيين في قضية ملفقة بالأساس علي مرأي ومسمع من الجميع في ابراز واضح لغياب كامل للقضاء ، وتلتها احداث بورسعيد وقتل ما لا يقل عن سبعين شاباً بدم بارد وبوسائل قمة في البدائية والانحطاط  ، ووصلت الامور لمستوي اعلي في الازمات المعيشية من البنزين والبوتوجاز ، بصورة أعلي وأخطر مما كانت عليه في عصر مبارك
كل هذا في اطار مجلس شعب منتخب وفي أوج الاستعداد لأنتخابات رئاسية
الخلاصة
مع كل الثقافة السائدة حول السياسة وأخلاقيتها إلا انه لا يمكن اقامة نظام سياسي مستقر إلا من خلال ممارسات شرعية ترتبط بمبادئ اخلاقية واضحة لأي مجتمع ، لا يمكن تخطيها لأي استحقاقات اخرى والتي تتحول تلقائياً في حالة حدوثها إلي عمليات شكلية خالصة لا تساهم فقط في وقف عملية بناء أو تطور ، لا الاخطر انها تقود لفوضي كبيرة نتيجة ترسيخها لفكرة الانفلات الاخلاقي والخروج عن الشرعية ، وتحويل كل العلاقات داخل المجتمع إلي علاقات قوة
أمين محمد أمين
24-03-2012

الاثنين، ١٢ مارس ٢٠١٢

الحل قد يأتي من الخارج


قد يبدوا العنوان صادماً للقارئ فهو يتنافي مع هذا الكم الدعائي الهائل الذي تسطره قنوات الإعلام ، وتتداوله الالسنة وكأنه من المسلمات ، ولكن هل هذا صحيح فعلاً ؟
في كل وسائل الإعلام التقليدية يتم الإلحاح الدائم علي فكرة أن ما يأتي من الخارج هو دائماً معاد ، ويتم ربط أي تحرك للمعارضة عن طريق السلطة القائمة دائماً بان هذا تحرك  مرتبط بالخارج ، وهو ما يفترض ضمنياً من بدايته أن الجماهير تملك قناعة أن الخارج دائماً مريب ومعاد وخطر ، تكتمل الديباجة الإعلامية كالمعتاد بالمؤامرة الكبرى وسعي الجميع لتخريب الوطن ، والقضاء علي سلامه الداخلي ، والقضاء علي الاستقرار ، ووقف عجلة الانتاج التي لا يعلم أحد كيف كانت تسير مسبقاً ، والتحويلات المالية الغير شرعية التي تحصل عليها المعارضة لا النظام ، فتحويلاته شئ مبرر مسبقاً .
تنتقل هذه الرسائل الملحة والمتتابعة للمواطن البسيط عن طريق أفكار مختلفة متلاحمة مع الافكار المسبقة المتكونة في عصر الصراعات الوهمية ، وإذا عجزت هذه الحملات المستمرة وأصبحت مستهلكة لديه ، يتم الانتقال إلي فكرة أن من جاء من الخارج لا يشعر بمعاناتك التي تعانيها ، لخلق حالة ربط ذهني غير حقيقية بين المعاناة والحل ، والأكثر إضحاكاً أن هذا الذي يرفع هذه الشعارات هو عينه من يستغل هذا المواطن ويخلق حالة تهميش وإفقار وتغييب كاملة له ، وعلي الرغم من تهاوي هذا الاساس فبديهي أن الحل قد يأتي من شخص أكثر علماً ودراية بالمشكلة ، فالمحترق قد لا يجيد التفكير مثل هذا الذي خارج الحريق الذي يستطيع وضع خطة لإنقاذه بصورة أفضل ، وليس المريض المتألم بأكثر قدرة علي علاج نفسه من الطبيب الدارس للمرض وأسبابه وطرق علاجه .
وعند فشل الترويجة السابقة تنطلق ترويجة أخرى أكثر سخرية وهي نقص الخبرة في معرفة الفساد المتوغل ، وأنه لكي يصلح الرجل فساداً فيجب أن يكون المصلح منغمساً في الفساد عالماً بدروبه ، ليجيد التعامل معه ، وتتهاوي هذه الفكرة أمام التفكير البسيط أيضاً فعلي العكس تماماً فالشخص المندمج في الفساد لفترات طويلة بحيث أصبح منهجاً يعيشه ، ولا يستطيع الافتكاك منه يصبح أقل أفقاً ومعرفة بنظام جديد لا توجد به هذه المشاكل ، ويتبين أن هذا الشخص الذي عاش في إطار منظومة منتظمة خلقت آليات وأدوات لمحاربة الفساد ووضعت أبحاثاً ودراسات في كيفية مواجهته أقدر فعلياً من كل الأوجه علي رسم منظومة جديدة ، لا يعتمد فيها علي التجربة والخطأ من البداية وأقل تلوثا بالفساد القديم في اعتياده والتعايش معه ، مما يجعله أقدر فعلياً من هذا المنغمس في الفساد والمتشرب لسنوات عديدة .
إن معاناة المجتمعات التي رزخت لفترات طويلة تحت الاستبداد والجهل ، تتم فيها عمليات ممنهجة للقضاء علي الإبداع والتفكير والقدرة علي قراءة المستقبل ، لهي في اشد الاحتياج إلي نوعية أخرى من الافراد القادرين علي اجتياز هذه العقبات بعيداً عن البدء من نقطة ما تحت الصفر ، ولمعرفة النظم المستبدة والنخب الفاسدة  بقدرة أبناء الوطن المهاجرين للخارج عن طريق المعارف والعلوم والتجارب الناجحة التي تعرضوا لها خلال فترات تغربهم خارج الوطن ، مما يمنحهم قدرة أعلي علي اختصار الزمن في نقل تجارب البلاد الاخرى بأقل حد من أخطائها التي مرت بها للتطور ، تلجأ هذه النظم لتشويه كل ما يتعلق بالخارج وليس أوضح من ذلك غير الحرص الشديد من النظام علي رفض وجود اي شخصية تحمل جنسية مزدوجة من الترقي في أجهزة الدولة العليا حتى ولو تخلي هذا الشخص عن جنسيته الاخرى لصالح إحتياج الوطن .
مع أن النظام نفسه هو السبب الرئيسي في هجرة هذه العقول بل والأعجب من ذلك ، أن هذا النظام الذي يشرعن ذلك هو عينه الذي يعتمد بشكل أساسي علي تحويلات هؤلاء المصريين المغتربين في حل عجز موازنته الدائم ، وفي كل أزمة يستحضرهم للتبرع لما للبلد من حاجة اقتصادية .
لست في حاجة لسرد وقائع كثيرة علي الادوار التي يقوم بها من هم خارج الوطن لصالح أوطانهم ، وأدوار دكتور كمجدي يعقوب وأحمد زويل والبرادعي لا ينكرها جاحد ، وليس هذا إنكار أو غبناً لدور المقيمين داخل الوطن ، ولكن هل يمكن أن يثور تساؤل حقيقي لدي المواطن بعد مشاهدته للأداء النخبوي الحالي في قراءة هذا التردي العلمي والاخلاقي والمهني الكبير لدي الكثير من النخبة التي عملت من خلال وجود النظام وتعايشت معه ومع أساليبه وأداءه لفترات لا تقل عن عشرات السنين في التفكير جدياً في الاعتماد علي منهم خارج المنظومة من ابناء الوطن المخلصين لإحداث تغيير حقيقي في الواقع المصري ؟ ، وتغيير القناعات الخاصة نحو الإحتياج الحقيقي إلي خبرات من خارج الوطن او خارج المنظومة لإفتقاد النخبة الحالية الموجودة لأي عقل استراتيجي او إبداعي قادر علي انتشال الوطن من هذه الهوة السحيقة بدلاً من البدء من تحت الصفر واعادة انتاج التجربة والخطأ مرة أخرى ؟
هل هناك في الوطن من يشك في أن عملية الهجوم علي كل الحلول الخارجية كنموذج البرادعي وزويل والباز وغيرهم بدعاوي يروجها النظام وجهاز مخابراته المريض لتضليل الناس وإفقادهم عقليات متميزة قادرة علي إحداث تغيير حقيقي في الواقع وقادرة علي اجتياز تجارب وفترات زمنية أحوج ما يكون الوطن إلي الإستغناء عن الوقوع فيها أو الإنتظار حتى تنضج ؟
هل هناك عاقل قد يترفع ويعلنها أن الحل قد يكون من الخارج أفضل ؟
هل يمكن أن يقتنع مريض أن بالخارج أدوية أحدث وأكثر فاعلية من أدوية تقليدية فقدت فعاليتها من تكرار إنقاص مادتها الفاعلة ، حتى اصبحت لا تبرئ سقيماً ولا تشفي عليلاً ؟
هل يمكن أن نتخلي عن عمليات احتراب وثقافات بائدة تخرب حياتنا وواقعنا ، للتفكير بإيثار إتجاه أشخاص يحبون وطنهم بصدق وقادرون علي فعل الكثير من أجله ؟
أمين محمد أمين

12-03-2012

إعادة إنتاج الوعي


بعد خمسين عاماً من الآن ماذا سوف يحدث ؟
شغلني الأمركثيراً وأنا أشاهد بخيالي شباباً يخرجون في مسيرات ضخمة تطالب بالحرية الحقيقية بعيدا عن ألعب ذوي النفوذ الذي لا زال يتغني أصحابه بثورة الخامس والعشرين من يناير ، والانجازات الوهمية التي يحاولون بها إشاعة الكذبة حتى تتحول إلي حقيقة.
بداية من انتفاضة 25 يناير وكل الاحداث التي تلته كأنها طيف مستمر وإعادة اكترار للتاريخ من ثورة عرابي إلي ثورة 19 إلي أحداث 23 يوليو إلي هذه الانتفاضة الأخيرة والمستفيد واحد والخاسر دائماً هي نوايا صادقة حملت أهدافاً كبيرة ولكنك لا تستطيع أن ترى المنجز بعدها ، هنا بداية ونهاية المشكلة ، البداية الوعي والنهاية الوعي
كيف يستفيد العسكر والنخب الحاكمة من تدهور حالة الوعي عند المواطنين ، إن الإجابة البسيطة سوف تتحدث عن أرقام الأمية والجهل والتخلف بأنواعة والجهل والأمية هنا ليست النسب الرسمية التي تتحدث عن من لم يتلقوا تعليماً او من لم يتلق تعليماً جامعياً ، الامر أعمق من شهادة دراسة لمنظومة تعليم تم تجريفه أساساً من الوعي ،  ، ولكن هل هي كافية للتعبير عن الخسائر الكبيرة التي تتلقاها هذه الثورات ، وهذه الارتدادات الكبيرة لها ؟
تستفيد النخب المسيطرة علي الاوضاع إجمالاً من خلال قدرتها علي التأثير الكبير والمباشر في ثلاثة عوامل
1 ـ مستوي التعليم والثقافة
2 ـ الإمتلاك الحقيقي لمصادر المعلومات
3 ـ الإمتلاك الحقيقي للجهاز الإعلامي علي اي طريقة قانونية كان هذا الامتلاك
ترتبط هذه العوامل الثلاث جميعها بالوعي والثقافة ، ويمثل امتلاكها عاملاً حيوياً وكبيراً وحاسماً أيضاً في إدارة الصراع وتوجيهه ، ومالم يمتلك الثائرون علي الاوضاع خطة واضحة تستند علي وعي كبير فإن اكترار نفس المصير ونفس المعاناة سوف يصبح حدثاً دائماً مع كل هبة للجماهير نتيجة أوضاعها المرهقة للغاية
هنا تجدر الإشارة إلي ملاحظتين هامتين
1 ـ كيف يتم التعامل مع هذه العوامل الثلاث المذكورة سابقاً ، والتي يبدوا فيها الميزان مرجحاً نحو القوي المسيطرة والإنتهازية
2 ـ كيف تستطيع القوي الثائرة الخروج دائما خارج الملعب والتفكير خارج الصندوق ، منعاً لإستدراجها كما يحدث في المعتاد .
معركة الوعي خارج القواعد
تعتمد فكرة الوعي علي الانحياز إلي جانب الحقيقة والحق وليس إلي جانب القوة ، فالوعي في النهاية عمل ضميري ، وفي كل الصراعات التاريخية كانت الانتصارات تعتمد علي الوعي والإرادة التي تستند علي امتلاك الحق ، وبحسبة بسيطة لقياس المستوي المادي للقوي سوف نجد أن كل العوامل المادية تحسم المعركة مبكراً لصالح القوة والسلطة ، بما يمتلكانه من قوي مادية ومعرفية ، إلا أن الوعي والإرادة بما يمتلكانة من قدرة علي المناورة في الاولي والحق والأخلاقية في الثانية يستطيعان تغير المعادلة .
كيف نخلق معادلة جديدة للوعي يتم من خلالها التعامل مع العوامل الثلاث السابقة التي يسيطر بها النظام علي المجتمع
الفكرة ببساطة نقل فكرة العلم والتعلم والوعي خارج الإطار الحكومي ونقل الصراع الفكري والمعرفي إلي الشوارع عن طريق مدارس الثقافة
إن تفكيك سيطرة النخبة علي التعليم من خلال الأجهزة الرسمية للدولة يتطلب تحركاً علي مستويات مختلفة هي مغلقة بالأساس يكفي منها فقط المستوي الاقتصادي المرتبط عضوياً بالصحة والتعليم ، مما يجعل العمل داخل أجهزة كهذه يتطلب حلولا غير موجودة ، ولا يمكن تحقيقها علي اقل تقدير بغير مستوي أعلي من الوعي ، يستطيع إيجاد حلول ابتكارية للأوضاع المعقدة والمتشابكة القائمة.
إن فكرة المدارس العلمية والثقافية والشرعية هي طراز تاريخي حدث في عصور تاريخنا المتقدمة واستطاع به الاوروبين القيام بنهضتهم ، والعدالة والتنمية في تركيا أحد ثمارة ، وهي فكرة مرنة تسمح بالعمل خارج مؤسسات الدولة المتهاوية فعلاً ، وإخراج الحل من اطار حصره في نظام تعليمي تم الهروب منه بدروس خصوصية وهمية للحصول علي شهادة يتم إستدعاء فكرة أنها تؤدي إلي وظيفة غير موجودة بالأصل .
الفكرة ببساطة شديدة الحصول علي المعرفة والعلم بعيداً عن أشباه المعرفة والعلم عن طريق أرقام وأسماء لا تمثل في جوهرها وعياً حقيقياً ، تقوم فيها الدوائر المثقفة بالإستفادة من كل الطاقات الثقافية الموجودة باختراع مدارس تنموية للشباب والاطفال تنقل المعرفة ممن يملك إلي من لا يملك ، بدون اي شهادات او تصديقات رسمية ، توضع فيها مناهج للدراسة والبحث تعتمد طريقة تشابه الطريقة الغربية في التعليم ، يمكن أن يخدم ذلك جمعية أو موقع علي الانترنت يقوم بتوفير الكتب التي تخدم مواد المعرفة ، يقوم بصياغتها كل المتخصصين بطريقة تشبه موقع الويكابيدا ، ينقلها كل من يمتلك معرفة إلي من لا يملكها ، تكون المناهج متوفرة ككتب ورقية أو إلكترونية ، تتوسع تدريجياً بمجهودات كل المتفاعلين عن طريق عروض وشروحات ، يقوم المتطوعون فيها بإستخدام كل ما هو متاح من حدائق او مقاهي او مراكز شباب لنقل المعرفة حتى لو بمحاضرات بسيطة للغاية ، حتى ولو كان من خلال الفضائيات ، ويمكن تقسيم المعارف فيها إلي ثلاث أو اربع معارف رئيسية تخدم العقل الانساني ، كالمعارف الاجتماعية من علم نفس وسياسة واجتماع ، ومعارف العلوم الطبيعية كالفيزياء والميكانيكا وتطبيقاتها الفنية ، ومعارف العلوم الشرعية ......
إن عملية نقل الوعي من الدولة السلطوية وإطار النخبة الحاكمة إلي مجتمع واع بقضاياه ومشاكلة حتى ولو علي مستوي غير متطور ، يخلق نقلة نوعية في طبيعة الصراع مع النظام وينقل حالة الوعي والإدراك المجتمعي من سيطرة النظام الحاكم إلي المجتمع والتي ستخلق تحركاً من الأسفل إلي الأعلي ، في عملية تطوير نوعي للأداء السياسي يجعله أكثر فاعلية وأكثر قدرة علي إحداث تغيير حقيقي ، بدون ذلك سنظل نراوح في المكان في حالة اكترار داخلي لنفس الأزمات ونفس المعالجات السياسية التكتيكية التي لا تمس صلب النظام ولا تتعامل بجدية معه .
أمين محمد أمين

12-03-2012

الخميس، ٨ مارس ٢٠١٢

استوقفتني من قرآتي ( 5 )


شروط النهضة ـ مالك بن نبي

ابذر يا أخي الزارع ، من أجل أن تذهب بذورك بعيداً عن حقلك ، في الخطوط التي تتناءي عنك ... في عمق المستقبل
هاهي بعض الأصوات تهتف ، الأصوات التي أيقظتها خطواتك في المدينة ، وأنت منقلب إلي كفاحك الصباحي ، وهؤلاء الذين استيقظوا بدورهم سيلتئم شملهم معك بعد حين
إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته ، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته مالم يرتفع بفكرته إلي الاحداث الانسانية
فلقد كان علي الحركة الإصلاحية أن تبقي متعالية علي أوحال السياسة والمطامع الانتخابية ، ومعارك الأوثان ، ولكن العلماء آنذاك قد وقعوا في الوحل حين تلطخت ثيابهم البيضاء ، وهبطت معهم الفكرة الاصلاحية فجرت في المجري الذي تجري فيه " الشامبانيا" في الأعراس الانتخابية ، الممزوجة أحياناً بدم تريقة اليد السوداء لإغتيال الإصلاح

وهكذا أتيح (( جمعية العلماء )) أن تمسك مقاليد النهضة الجزائرية ، وأمكنه أن يبعثها خلقاً آخر بالروح الإسلامية ، التي تخلصت من كابوس الأوثان ، وكأني بالفكرة الإصلاحية قد بلغت أوجها وانتصرت يوم افتتاح المؤتمر الجزائري عام 1936 ، مما جعلنا نتسائل : هل سوف نمضي هكذا حتى النهاية ؟
لقد كان ذلك ممكناً ، لوم لم يشعر العلماء المصلحون بكل أسف بمركب النقص إزاء قادة السياسة في ذلك العهد ، فمالؤوهم وسايروهم ، ظناً منهم أنهم سوف يذودون عنهم نوائب الحكومة ، ولقد كان ذلك ممكناً لو لم يكونوا علي استعداد للعودة إلي فكرة الزوايا ذات الطابع السياسي ، والاصنام المزوقة بأسماء جديدة ، لقد كانوا يستطيعون أن يبلغوا ذلك لو أن أوراق الحروز التي نبذها الشعب لم ترجع إليه بإسم اوراق الانتخابات ، ولو أن العقول التي كانت تصدق بالمعجزات الكاذبة ، لم تعد مرة أخرى تصدق بمعجزات صناديق الانتخابات

وها هم قد جملوا الاصنام ليلحقوا الهوان بالفكرة
ولكن شمس المثالية ستتابع سيرها دون تراجع ، وستعلن قريباً انتصار الفكرة ، وانهيار الأصنام ، كما حدث يوم تحطم "هبل " في الكعبة

وأصبحت الحركة الجزائرية منذ ذلك الحين لا ترأسها فكرة بل تقودها أوثان ، وليس يهمنا هنا الشكل ، بل الموضوع ، فليس الخطر من الانقياد إلي نوع من الدروشة ، ولكن الخطر من الانقياد الأعمي إلي الدروشة ذاتها ، وليس الخطر أيضاً من إسم الصنم ، ولكن من سيطرة الوثنية .
إن جوهر المسألة هو مشكلتنا العقلية ، ونحن لا زلنا نسير ورؤوسنا في الأرض وأرجلنا في الهواء ، وهذا القلب للأوضاع هو المظهر الجديد لمشكلة نهضتنا

وإنه ليجب بادئ الأمر تصفية عادتنا وتقاليدنا ، وإطارنا الخلقي والاجتماعي مما فيه من عوامل قتالة ، ورمم لا فائدة منها ، حتى يصفو الجو للعوامل الحية والداعية إلي الحياة .
وإن هذه التصفية لا تأتي إلا بفكر جديد ، يحطم ذلك الوضع الموروث عن فترة تدهور مجتمع أصبح يبحث عن وضع جديد

إن الكلمة لمن روح القدس ، إنها تساهم إلي حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعية ، فهي ذات وقع في ضمير الفرد شديد ، إذ تدخل إلي سويداء قلبه ، فتستقر معانيها فيه ، لتحوله إلي إنسان ذي مبدأ ورسالة
فالكلمة يطلقها إنسان ، تستطيع أن تكون عاملاً من العوامل الاجتماعية حين تثير عواصف في النفوس تغير الأوضاع العالمية .
من المعروف أن القرآن الكريم قد أطلق إسم الجاهلية علي الفترة التي كانت قبل الإسلام ، ولم يشفع لهم شعر رائع ، وأدب فذ ، من أن يصفهم القرآن بهذا الوصف ، لأن التراث العربي لم يكن يحوي سوي الديباجة المشرقة ، الخالية من كل عنصر " خلاق " أو فكر عميق ، وإذا كانت الوثنية في نظر الإسلام جاهلية ، فإن الجهل في حقيقتة وثنية ، لأنه لا يغرس أفكاراً ، بل ينصب أصناماً ، وهذا هو شأن الجاهلية ، فلم يكن من باب الصدفة المحضة أن تكون الشعوب البدائية وثنية ساذجة ، ولم يكن عجيباً أيضاً أن مر الشعب العربي بتلك  المرحلة ، حين شيد معبداً للدراوويش المتصرفين في الكون  ، ومن سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم ، والعكس صحيح أحياناً

وإذن فلا يجوز لنا أن نغفل الحقائق ، فالحكومة مهما كانت ما هي إلا آلة اجتماعية تتغير تبعاً للوسط الذي تعيش فيه وتتنوع معه ، فإذا كان الوسط نظيفاً حراً ، فما تستطيع الحكومة أن تواجهه بما ليس فيه ، وإذا الوسط كان متسماً بالقابلية إلي الاستعمار فلابد من أن تكون حكومته إستعمارية
ولاشك في ان الأزمة السياسية الراهنة تعود في تعقدها إلي أننا نجهل أو نتجاهل القوانين الأساسية التي تقوم عليها الظاهرة السياسية والتي تقتضينا أن ندخل في اعتبارنا دائماً صلة الحكومة بالوسط الاجتماعي ، كآلة مسيرة له ، وتتأثر به في وقت واحد ، وفي هذا دلالة علي ما بين تغير النفس وتغيير الوسط الاجتماعي من علاقات متينة ، ولقد قال الكاتب الاجتماعي " بورك " (( إن الدولة التي لا تملك الوسائل لمسايرة التغيرات الاجتماعية لا تستطيع أن تحتفظ ببقائها ))
وهكذا تحول الشعب إلي جماعة من المستمعين ، يصفقون لكل خطيب أو قطيع انتخابي ، يقاد إلي صناديق الاقتراع ، او قافلة عمياء زاغت عن الطريق ، فذهبت حيث قادتها الصدف في تيار المرشحين .
وفي هذا اختلاس أي اختلاس للعقول التي أشرفت علي قطف ثمار نهضتها ، فإن هذه العقول قد عادت إليها الوثنية ، تلك الوثنية التي تلد الأصنام المتعاقبة المتطورة ، كما تتطور الدودة الصغيرة إلي فراشة طائرة ، إذا ما صادفت جواً ملائماً ، وهذا يعني أن البلاد لم تتحقق فيها النهضة المنشودة ، وكل الذي كان هو أن أحداثاً صدمتها صدمة عنيفة أيقظتها من نومها ، ثم لم تلبث بعد أن زال أثر هذه الصدمة أن غالبها النعاس ، فعادت إلي النوم ، وأمكنها في نومتها هذه أن تعود إلي أحلامها ، غير أن أحلام ذات موضوع آخر ، إنها أحلام الانتخابات ، قامت علي أطلال الزوايا المهدمة التي دمرها معول الاصلاح الأول .
وقبل بدء دورة من دورات الحضارة أو عند بدايتها يكون الإنسان في حالة سابقة للحضارة ، أما في نهاية الدورة فإن الانسان يكون قد تفسخ حضارياً وسلبت منه الحضارة تماماً فيدخل في عهد ما بعد الحضارة
إذا الإنسان الذي تفسخ حضارياً مخالف تماماً للإنسان السابق علي الحضارة أو الانسان الفطري ، فالأول ليس مجرد إنسان خارج عن الحضارة فحسب ، كما هي الحال مع الثاني الذي أسميناه بالإنسان الطبيعي ، إذ الإنسان المسلوب الحضارة لم يعد قابلاً لإنجاز عمل متحضر ، إلا اذا تغير هو نفسه عن جذوره الأساسية .
وعلي العكس من ذلك ، فإن الانسان السابق علي الحضارة يظل مستعداً كما هي الحال مع البدوي المعاصر للنبي للدخول في دورة الحضارة .
ونتيجة هذا التحريف لمعني الثقافة متجسدة في ذات ما نسميه (( المتعالم أو المتعاقل ))
والحقيقة أننا قبل خمسين عاما كنا نعرف مرضا واحدا يمكن علاجه، هو الجهل والأمية، ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضا جديدا مستعصيا هو: "التعالم". وإن شئت فقل: الحرفية في التعلم؛ والصعوبة كل الصعوبة في مداواته. وهكذا فقد أتيح لجيلنا أن يرى خلال النصف الأخير من هذا القرن ظهور نموذجين من أفراد في مجتمعنا:حامل المرقعات ذي الثياب البالية، وحامل اللافتات العلمية»
فإذا كنا ندرك بسهولة كيف نداوي المريض الأول ، فإن مداواتنا للمريض الثاني لا سبيل إليها ، لأن عقل هذا المريض لم يقتن العلم ليصيره ضميراً فعالاً ، بل ليجعله آلة للعيش ، وسلماً يصعد به إلي منصة البرلمان ، وهكذا يصبح العلم مسخة وعملة زائفة ، غير قابلة للصرف ، وإن هذا النوع من الجهل لأدهي وأمر من الجهل المطلق ، لأنه جهل حجرته الحروف الأبجدية ، وجاهل هذا النوع لا يقوم الأشياء بمعانيها ولا يفهم الكلمات بمراميها ، وإنما بحسب حروفها ، فهي تتساوي عنده إذا ما تساوت حروفها

فإذا ما كتبت له النجاة من كل هذه النكبات ، وهيئت له الأسباب لأن يجد مقعداً في مدرسة .. فكم من العراقيل توضع في طريقه ، ممتحنون بلا إنتصاف ، وحكام بلا شفقة ، ومستخدمون بلا ضمير ، وأخيراً فكم يلاقي ذلك الفتي في سبيل الحصول علي وظيفة حقيرة !!!
وإذا ما بلغ مبلغ الرجال ماذا يعمل ؟ فالشراء والبيع والسفر والكلام والكتابة والتلفون وكل الأعمال التي تقوم عليها حياته الاجتماعية لا تنالها يداه إلا بشق الأنفس ، ومن خلال شبكة دقيقة مسمومة من الاحقاد ، تسلبه كل وسيلة لإقامة حياته ، وتنشر من حوله الأفكار المحطمة لقيمته والمعرقلة لمصالحة ، فتحيطه بشبكة محكمة ينسجها خبث المستعمر " المستبد " الداهية
ولا شك في ان عقائدنا السياسية تدين لتلك القيم الفاسدة للحضارة ، وتلك العقائد التي تمثلت عندنا اليوم في أسطورة : ( الشئ الوحيد ) و ( الرجل الوحيد ) الذي ينقذنا .
وحيث لم يتيسر لنا عام 1936 أن نضع آمالنا في ( شئ وحيد ) فقد وضعناها في ( الرجل الوحيد ) الذي بيده سعادة الشعب ورخاؤه .
ومازالت هذه العقيدة الوثنية التي تقدس الاشخاص لازالت منتشرة في بلاد الإسلام ، لم تتخلص منها ، وإن كنا قد فعلنا شيئاً فربما كان ذلك في استبدالنا وثناً بوثن ، فلعلنا اليوم قد استبدلنا ( الرجل الوحيد )( بالشئ الوحيد ).
فالتاجر الذي تنجح تجارته يجزم بلا تردد بأن النجاة في الاقتصاد ، وآخرون يرون الشئ الوحيد في البيان وتزويق الكلام ....
وهكذا ننتقل من وهم لنتخبط في وهم ، ولا ندري كم من السنين سوف نقضيها لندرك عجز ( الأشياء الوحيدة ) عن حل المشكلة ، التي هي مشكلة الحضارة أولاً وقبل كل شئ ..