رحلة البحث عن بديل !!!

الأحد، ١١ مايو ٢٠٠٨

محمد الذي يدفع الثمن !!

محمد الذي يدفع الثمن !!
" بعد اذنكم يا بشمهندسين ده هيركب معاكم علشان ممعهوش فلوس "
قطعت الكلمة حبل أفكاري بأحد " الميكروباصات " وأنا أحلم بالتفرغ من الكلية وإتمام المشروع الخاص الذي كنت في طور إنشاءه ، وكذلك أحلامي بالسفر للخارج وتحسين وضعي المادي وكذلك إتمام دورة الكمبيوتر التي كنت أشارك فيها في هذه الفترة ، ونظرت إليه فإذا هو طفل في العاشرة من عمرة ، مالبث أن ركب " الميكروباص " جالساً علي بروز يقع بين كرسي السائق والكرسي الذي يليه حيث كنت أجلس والذي عادة ما يجلس فيه مساعد السائق يعرفه كل راكبي " الميكروباص " في مصر ، جلس الطفل متحرجاً من مده أرجله ، يتوجسه خوف قليل من النظرات التي تابعته ، ولم تمضي لحظات حتى ابتسمت له لأشعر بهدوء سريرته ، وبالفعل شعرت بسكينة نفسه ، فلم يمض وقت قليل حتى بادرته بالسؤال عن أسمه مع دعوة مني له بالتخفف من حرجة ، بعد أن ضم ارجله تخوفاً من أن اتابعه بكلمة جارحة كعادة الكثير في هذه السيارات المزدحمة طالباً منه أن يمد أرجله كي يرتاح وأن لا يعبأ ولا ينزعج من ذلك ، فأجابني بنفس مطمئنة أن أسمه محمد ، وأن عمره عشرة أعوام ، وأنه في أحد الصفوف الابتدائية ، وعندما سألته عن بلده فأجابني أنه من محافظة الفيوم ، فتعجبت من أختياره للذهاب إلي بني سويف حيث انا ذاهب ولأن طريق الفيوم مختلف عن طريق بني سويف ، فأخبرني أنه سينزل بمركز الواسطي ليستقل القطار المتجه إلي الفيوم
سكت الحديث قليلاً وأنا اتطلع إليه ونفسي تتخاطفها الاحاسيس والمشاعر ، فسألته عن سر ذهابه إلي القاهرة وعودته متأخراً ، فأخبرني ببراءته الشديدة أنه يسترزق عن طريق بيع المناديل وخلافه في فترة الصيف ليساعد والده واسرته حتى يتم المدرسة التي يحبها ، ثم أخبرني عن هروبة مرة من محصل القطار بعد أن كاد يمسك به متهرباً من دفع أجرة القطار وكيف أنه نجي بأعجوبة من علقة ساخنة كان سيأخذها لو أمسك به هذا المحصل.
سألته عن ماذا يتمني أن يصبح في المستقبل فأخبرني أنه يحلم أن يحصل علي " الدبلوم " حتى يساعد والده واسرته
نزلت علي اجابته كالصاعقة لتقتلع كل نفسي ومشاعري ، لأشعر بعدها أنني عاجز عن النطق والحراك ، فلم أقابل في حياتي طفلاً يصبح جل أمانيه هو الحصول علي " الدبلوم " وأن يذهب مفرداً وحيداً تتلاطمه الشوارع متنقلاً ليبحث عن ما يعين نفسه علي اتمام الدراسة ، أتذكر أيام الطفولة مع الاصحاب أن هناك من كان حلمه أن يصير ضابطاً وآخر مهندساً وآخر طبيباً وآخر قاضياً وآخر طياراً إلا أنني لم أقابل في حياتي من يتمني ويدفع أثمان غالية ليحصل علي الدبلوم
خلا الكرسي الذي بجانبي فطلبت منه أن يجلس بجواري فتحرج من ذلك فألححت عليه ، فرفض حياءاً وأخبرني أنه سينزل قريباً لأن محطته صارت قريبة وأنه لا داعي لذلك حيث كان يبدوا عليه التخوف من ردة فعل سائق السيارة ، فكرت في أن أدفع له ثمن الكرسي حتى يرتاح ولا يشعر بخجل فرجعت بعد أن ارتحت لأن أعطيه النقود التي معي فهي أفضل عنده من أدفعها في جلسه لن تختلف كثيراً وليست مكانه في كل حالات سفره وانتقاله
نظرت في عينيه فأحسست بحب عميق نحوه ، أخذت أفتش في جيوبي فلم يكن معي غير سبع أو ثمان جنيهات فأخرجت خمس جنيهات وأعطيتها له ، فأبرز أحد المناديل التي معه ليعطيني أياها فشكرته ضاحكاً وربت علي كتفه ورأسه مداعباً ، وسألته عن هاتف في منزله أو في منزل قريب منه ، فأجابني بأنه لا يوجد ، فكتبت له رقم هاتفي طالباً منه الاتصال به وواعداً إياه بأنني سوف أدفع له ثمن الاتصال ، فأخذ الرقم بالفعل واحتفظ به .
عندما اقتربت المحطة ظللت ألح عليه بالاتصال بي وأكدت له أنني سوف أدفع له ثمن أي اتصال يجريه فشكرني وابتسمت له وابتسم لي حتى جاءت محطته وهنا سلمت عليه مودعاً إياه .
ما أن خرج من السيارة حتى بدأت عيوني تدمع وعقلي تتخطفه الافكار ، كيف ظهر هذا الطفل في حياتي ؟
هل هو دعوة للقنوع وعدم بناء للقصور من تلال رماد ؟
هل هو صراع يصاحبني طوال حياتي يدفعني إلي أن أدافع عن هذا الطفل التي أحببته حتى النخاع ؟
هل هو دعوة داخلية لحب هذه الأفئدة الرقيقة التي تدفع ثمن عبث اللاهين في وطني ؟
هل هي رسالة من السماء تخبرني أن هذه معركتي الحقيقة وتملئني يقيناً بأن المعركة الحقيقة هي في الدفاع عن هؤلاء المستضعفين ؟
هل هو فقط من المستضعفين أم أنا الذي لم أملك إلا هذه الجنيهات القليلة التي أعطيتها إياه والتي اشعرتني بالعجز الشديد عن مشاركته ؟
ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانه ؟
لماذا اقتلعني هذا الطفل من كل شئ مع أنه له أقرانا في كل مكان من ربوع بلادي ؟

عدت إلي البيت منتظرا مكالمة محمد بأشد ما يكون الاشتياق بل وأكثر من رغبتي في أنتظار إتصال من محبوبة ، وبالفعل وبعد صلاة الجمعة رن جرس هاتفي ليخبرني أن يشكرني علي ما اعطيته فأجبته في رغبتي في مقابلته وأن يتصل بي وأكدت عليه وعدي بأنني سوف أدفع له ثمن ذلك ، فشكرني وأخبرني أنه مع والده ليومين أو ثلاث وأنه عند خروجه فسوف يتصل بي

جائني ثاني اتصال في الساعة الثامنة صباحاً في يوم الثلاثاء الذي يليه حيث كنت نائماً ، وكنت يومها مرتبطاً بموعد اجتماع في القاهرة مخبراً إياي أنه في موقف بني سويف ، وهنا اخبرته أن ينتظرني لأني سوف آتي له حالاً ، ظانا أنه بموقف بني سويف الكائن بالقرب من منزلنا وبالفعل ارتديت ملابسي علي وجه السرعة وعندما وصلت أخذت ابحث عنه فلم أجده وهنا تذكرت أنه ربما كان يقصد موقف بني سويف الذي بالفيوم ، فعدت إلي المنزل مسرعاً لأتم إرتداء حذائي وسافرت إلي الفيوم وهناك أخذت أبحث في كل محلات الاتصالات فأخبرني احدهم أن الطفل بالفعل كان هنا ولكنه مضي ، وهنا أنخلع قلبي ، فذهب باحثاً في الموقف فلم أجده وأخذت أدعوا الله أن يتصل بي فلم يتصل ، أنتظرت لساعة كاملة ولكنه لم يتصل
قررت الذهاب إلي القاهرة داعياً الله أن يتصل بي أو أن يقابلني به ، وهناك وجدت الاجتماع قد تم إلغاءه ، وفي المساء عدت إلي المنزل منتظراً مكالمته التي لم تأتي ؟
أخذت ادعوا الله في كل صلاة أن يقابلني به أو أن يتصل بي حتى أجده ، وأخذت اخطط كيف سأحاول أن أساعده ، لأنني كنت أتمني أن أقوله له بل ستتخطي " الدبلوم " ولن يكون الدبلوم أبدا هو نهاية أحلامك ، هذا ليس عدلاً ، إنني أشاهد العابثين ببلدي وهم يلقون المال وهم يهيمون بالسيارات ويعبثون بها وهما يرقصون في المصايف في حفلات التفاهة ، وأنت يا محمد تضرب في الأرض لتحصل علي اقل القليل بل وأقل من القليل ، بربي لهذا هو الظلم بعينه ، وأخذت اردد هذا ليس عدلاً .
مرت خمس أعوام ، خرجت من بلادي بعد عامين باحثاً عن طلب الرزق والزواج ، تصاحبني قصة محمد كلماً سافرت وكلما عدت ، أنتظر أن تقابلني به الاقدار لأخبره أنني أستطيع الآن مساعدته بأفضل مما كان قبل
ولكن هل سأراه مرة أخرى ، وهل سيكون حاملاً للدبلوم أم سيكون ضحية لأحد المجرمين الذين يملأون وطني ؟
أكتب الرسالة علي مدونتي التي أبدوا متاكداً من أنه لن يقرأها ، والتي أشك في أن أصل إلي من لا أعرف إلا بلده وملامحه وهو ابن عشر سنين ، اللهم إلا إذا أراد من ملك السماء أن يقابلني به ، أكتبها لأخبره أنني بعد خمس سنين أتذكر كل كلمة دارت في حديثي معه والذي لا أظنني سوف أنساه ما حييت
كل ما أتمناه أن يكون بخير وأن يتخطي " الدبلوم " ، لأنه يستحق أكثر منه بكثير ..........
وبكثير جداً...............

و في عقلي قول الشاعر
لعمرك ما ضاقت بلاد باهلها ولكن أحلام الرجال تضيق
أمين محمد
10 – 5 – 2008